في مثل هذه الأيام، كانت العائلة تُبنى على التفاصيل الصغيرة: ضحكة تمتدّ على الطاولة، حديثٌ ينبت بين الإخوة، وخلافٌ يذوب بكلمةٍ حنونة ونظرة أمّ تعيد ترتيب الفوضى. كانت البيوت عامرة بالنبض… بالوجوه… بالدفء.
أمّا اليوم، فقد تحوّلت تلك التفاصيل إلى ذكرى. فمع كل هاتف يُضاء، ينطفئ جزء من البيت. ومع كل شاشة تُفتح، تُغلَق نافذة من نوافذ الألفة. لم ننتبه متى تسرّبت وسائل التواصل إلى داخل جدراننا، وكيف جلست في أماكن من نحب، وكيف صارت الضحكات “إشعارات”، والحوارات “رسائل”، والمشاعر “رموزًا” لا تصل إلى القلب.
صار كل فرد يعيش داخل غرفته… وعزلة تكبر معه. بابٌ يُطرق فيُربك، ومحاولة اقتراب تُزعج، وكأننا نقتحم عالمًا رقميًّا بات أثمن من أي حضور بشري. اجتمعنا تحت سقف واحد، لكننا تباعدنا في المسافات التي لا تُقاس بالأمتار.
لم يكتفِ هذا العالم الافتراضي بسرقة وقتنا… بل أخذ أكثر ما نملك: دفء الحياة. خطف لحظاتنا العفوية، نظراتنا الصادقة، القصص التي كانت تُروى على فنجان قهوة، والضحكات التي كانت تهزّ جدران البيت. ومع كل يوم يمضي، نتنازل عن شيء جميل ليحتل مكانه ضوء شاشة بارد، ونمضي كأن الأمر عادي.
ومع الوقت، صار الإنسان يعتمد على هاتفه كأنه رفيقه الدائم، ومساحته الآمنة، ونافذته التي يطلّ منها على العالم. لكنه في الحقيقة… أصل الوحدة التي نهرب منها. أصبحنا مجتمعًا يختبئ خلف شاشة، يواجه الحياة بوجهٍ مضاء وهو مطفئ من الداخل.
صرنا نسكن غرفًا معزولة، مع إنترنتٍ مستقر وهاتفٍ يحرس وحدتنا، نمضي في رحلتنا بلا يدٍ تُمسك بنا، ولا صوتٍ يسأل: “كيف حالك؟”. عالمٌ لا يسمع الخوف في صوتنا، ولا يلمح ارتجافة دمعة، ولا يمدّ قلبه ليحتوي تعبنا.
هكذا ابتعدنا عن أصدقائنا، وعن عائلاتنا، وعن الذين ينتظروننا لنشاركهم الحياة. أصبحنا أجسادًا حاضرة… بعقولٍ غائبة. نلتقي دون أن نرى بعضنا، ونضحك دون أن نسمع قلوبنا، ونعيش عزلة مزدحمة لا نهاية لها.
فإلى أين نسير؟
وهل هناك فراغٌ أقسى من أن تعيش بين الناس… وأنت غائب عنهم؟
ربما لم يفت الوقت بعد. فكل شاشة يمكن أن تُطفأ، وكل لحظة يمكن أن تُستعاد، وكل بيت يمكن أن يعود بيتًا… إذا قرّرنا أن نفتح قلوبنا من جديد، لا هواتفنا.
-الرئيسية- 27/11/2025
من دفء اللقاء إلى صمت الشاشة: كيف خسرنا بيوتنا دون أن نغادرها؟
2025-11-27 11:23
مريم سلامة
188 مشاهدة
1 دقائق قراءة
صورة رئيسية
لمتابعة المزيد من الأخبار يمكنكم الاشتراك بقناتنا على الواتساب: Whatsapp Channel
يوتيوب: youtube.com/4
تلغرام: Telegram
شارك المقال
منوعات
الرئيسية
أخبار