لم تعد كرة القدم في عصرها الحديث مجرّد لعبة تُحسم نتائجها داخل المستطيل الأخضر، بل تحوّلت إلى صناعة متكاملة تتقاطع فيها الرياضة مع الإعلام والتسويق وصناعة الصورة. وفي هذا الواقع الجديد، لم يعد الأداء الفني المميز وحده كافيًا لصناعة النجم، إذ بات الحضور الإعلامي عنصرًا حاسمًا في ترسيخ مكانة اللاعب في أذهان الجماهير، حتى وإن لم يكن الأكثر تأثيرًا داخل الملعب.
من الأداء إلى الصورة
في الماضي، كان اللاعب يفرض اسمه بما يقدّمه في المباريات: أهداف حاسمة، تمريرات مؤثرة، قتالية واضحة، والتزام جماعي يُترجم في نتائج الفريق. أما اليوم، فقد دخلت عناصر جديدة على خط صناعة النجومية، أبرزها الإعلام الرياضي ومنصّات التواصل الاجتماعي، التي باتت قادرة على تضخيم صورة لاعب معيّن وتسويق إنجازاته بشكل يتجاوز أحيانًا حجمه الحقيقي، مقابل تهميش لاعبين آخرين يقدّمون مستويات ثابتة ومؤثرة بعيدًا عن الأضواء.
هذا التحوّل خلق فجوة واضحة بين الأداء الحقيقي والصورة المتداولة، وجعل تقييم اللاعبين يخضع في كثير من الأحيان لمنطق المتابعة والتفاعل والانتشار، أكثر من خضوعه للأرقام والمردود الفني داخل الملعب.
الإعلام… من ناقل إلى صانع
لم يعد الإعلام الرياضي مجرّد ناقل محايد للأحداث، بل أصبح شريكًا أساسيًا في صناعة النجوم. فمن خلال العناوين المتكررة، والتحليلات الموجّهة، وتسليط الضوء المستمر على أسماء محددة، يُعاد تشكيل وعي الجمهور تدريجيًا. ومع الوقت، يتحوّل بعض اللاعبين إلى “نجوم دائمين” مهما اختلف مستواهم، بينما يبقى آخرون أسرى الظل رغم استحقاقهم للتقدير.
ومع صعود السوشيال ميديا، تضاعف هذا التأثير. لقطة واحدة، تصريح مثير، أو مقطع قصير قابل للانتشار، قد يصنع موجة إعجاب تفوق أثر موسم كامل من الأداء المتوازن والهادئ. وهنا تصبح النجومية مرتبطة بقدرة اللاعب على إثارة التفاعل، لا بمدى تأثيره الحقيقي في المباريات.
الجوائز الفردية… صورة أم إنصاف؟
انعكس هذا الواقع بوضوح على الجوائز الفردية والتصنيفات العالمية، التي باتت في كثير من الأحيان امتدادًا للصورة الإعلامية أكثر من كونها انعكاسًا دقيقًا لما يحدث داخل الملعب. فعمليات التصويت، سواء من الصحفيين أو المدربين أو الجماهير، تتأثر لا شعوريًا بالضجيج الإعلامي وبالأسماء الأكثر تداولًا.
وهنا يظهر التناقض الصارخ: لاعب يملك أرقامًا قوية وتأثيرًا مباشرًا في نتائج فريقه، لكنه لا يحظى بالاعتراف الكافي، مقابل لاعب آخر يتقدّم في التصنيفات بفضل حضوره الإعلامي الواسع، لا بسبب تفوّقه الفني الواضح.
الخلاصة
صناعة النجومية في كرة القدم لم تعد مسألة موهبة وأداء فقط، بل أصبحت نتاج منظومة إعلامية وتسويقية متكاملة. ورغم الدور الإيجابي الذي يلعبه الإعلام في تطوير اللعبة ونشرها عالميًا، يبقى الخطر الحقيقي في أن تتحوّل الشهرة إلى معيار أساسي للتقييم، على حساب العدالة والإنصاف.
فمستقبل كرة القدم سيبقى مرهونًا بقدرتها على إعادة التوازن بين ما يُصنَع خارج الملعب وما يُقدَّم داخله، حتى لا يصبح النجم مجرّد صورة لامعة… بلا مضمون كروي حقيقي.
-الرئيسية-٣/١/٢٠٢٦
عندما لا يكفي الأداء داخل الملعب… كيف تُصنَع النجومية إعلاميًا
2026-01-03 10:56
محمد شعيب
24 مشاهدة
1 دقائق قراءة
صورة رئيسية
لمتابعة المزيد من الأخبار يمكنكم الاشتراك بقناتنا على الواتساب: Whatsapp Channel
يوتيوب: youtube.com/4
تلغرام: Telegram
شارك المقال
رياضة
الرئيسية
أخبار