لطالما أثار مفهوم الزواج المدني جدلًا واسعًا في عالمنا العربي، وانقسمت حوله الآراء بين مؤيد ومعارض. ورغم شيوع الحديث عنه، ما زال يواجه رفضًا شبه كامل، ولم يُشرَّع رسميًا إلا في تونس، حيث ربط كثيرون هذا الرفض بكونه منافياً للتعاليم الدينية.
يُعرَّف الزواج المدني بأنه عقد قانوني يُبرم في المحكمة المدنية بقبول الطرفين وبحضور الشهود، بعيدًا عن الطائفية والانتماءات الدينية.
لكن، ماذا نعرف فعلًا عن بنوده؟ وهل يعزى رفض تشريعه فقط إلى الأسباب الدينية، أم أنّ خلفياته أعمق وتمتد إلى اعتبارات سياسية وإيديولوجية؟
الحقيقة أن هناك نقصًا واضحًا في معرفة الأسس القانونية لهذا الزواج، سواء لدى معارضيه الذين يرونه معصية دينية، أو لدى مؤيديه الذين يختزلونه بتحصيل “النصف” في حال الطلاق.
وعند التعمق في أساساته، يتضح أنه زواج مدني يجمع شخصين متحابين بطريقة تتجاوز الانقسامات الطائفية والمفارقات الاجتماعية، ويعمل على الحد منها لبناء مجتمع موحد يتمتع بحقوق مدنية متساوية.
يندرج هذا الزواج ضمن قانون الأحوال الشخصية المدني، وعلى عكس ما يُتداول، فهو لا يسمح بزواج المحارم، ولا يُحارب الدين. بل يقوم على مسار قانوني مؤسساتي يعزز مفهوم المواطنة ويحقق العدالة والمساواة بين جميع أفراد المجتمع.
يمنح الطرفين حقوقهما القانونية، ويحميهما في حالات العنف، كما يعزز دور المرأة من خلال السماح بإضافة كنيتها لأسماء أولادها إلى جانب كنية الأب، فيصبح الاسم الثلاثي على الشكل التالي:
الاسم – عائلة الأم – عائلة الأب.
أما في حالات الطلاق، فلا يتم الأمر بسرعة أو بعشوائية، بل يخضع لإجراءات دقيقة. ويتم تقسيم الممتلكات بالتساوي بين الزوجين، حتى لو لم تكن الزوجة تعمل خارج المنزل، إذ يعترف القانون بوظيفة «ربة منزل» كعمل قائم بذاته.
في الزواج المدني، يتقاسم الزوجان الحياة ومسؤولياتها وأعباءها كلٌّ بحسب قدرته. ولا يُولد الأطفال مجهولي النسب أو الهوية؛ بل يحصلون على كامل حقوقهم المدنية. أمّا التربية الدينية، فيُترك اختيارها للزوجين، على أن يصبح القرار لاحقًا للطفل عند بلوغه. وفي أغلب الحالات، ينشأ الأطفال على قيم مشتركة تحترم الاختلاف، وتستند إلى المحبة والسلام والأخلاق، إذ إن جميع الأديان تدعو إلى الغاية نفسها مهما اختلفت الطرق.
“الدين لله والوطن للجميع” ليست مجرد عبارة، بل رؤية لمواطن ينشأ على الانتماء لوطنه أولًا، ويعي حقوقه وواجباته المدنية، ويسهم في بناء دولة حقيقية تُدار بالكفاءات لا بالمحسوبيات والانقسامات.
في لبنان – بلد الغرائب – لا قانون للزواج المدني داخل الأراضي اللبنانية، لكن يمكن ببساطة السفر إلى قبرص، إبرام زواج مدني، ثم العودة لتسجيله بشكل طبيعي في لبنان. ما يعني أن المشكلة ليست في الزواج نفسه، بل في تشريعه محليًا، لأن توسيع نطاقه قد يُفقد السلطة إحدى أدواتها الأقوى: الدين كوسيلة حكم.
قانون كهذا يمكن أن يوحّد الأحوال الشخصية، ويعزز المواطنة، ويصُبّ في بناء دولة عادلة تحفظ حقوق مواطنيها. لكنّ الساسة هنا، كما يبدو، يقدّمون مصالحهم الخاصة على مصلحة البلد وأهله.
الزواج المدني ليس فصلًا للدين عن حياة الناس، بل فصلًا للدين عن مؤسسات الدولة.
وحتى لو كان الاعتراض دينيًا، فما المانع من الجمع بين عقدين:
عقد مدني يُسجَّل في المحكمة ويضمن الحقوق، وعقد ديني يحفظ المعتقدات؟
-الرئيسية- 28/11/2025
الزواج المدني… رهاب ديني أم سياسي؟
2025-11-28 10:44
هبة حمود
36 مشاهدة
1 دقائق قراءة
صورة رئيسية
لمتابعة المزيد من الأخبار يمكنكم الاشتراك بقناتنا على الواتساب: Whatsapp Channel
يوتيوب: youtube.com/4
تلغرام: Telegram
شارك المقال
منوعات
الرئيسية
أخبار