في الوقت الذي يخوض فيه لبنان حرباً شرسة مع عدو غاشم يمعن في قتل المدنيين، واغتصاب الأرض، واغتيال كل كلمة حق وحقيقة، يطلّ علينا برنامج “مش مسرحية” ليقدّم صرخة خيانة مدوّية على خشبته. حين يخرج شاب لبناني بكل ثقة ليقول: “بدي شوف سفارة إسرائيلية في بيروت… وتحديداً في الأشرفية”، وبدلاً من الاستهجان، يُقابَل بتصفيق حار، ويُدرج هذا المشهد تحت ستار “حرية الرأي والتعبير”.
في الواقع، لا تقتصر الإشكالية على تصريح الشاب، بل تتعدّاه إلى البرنامج نفسه ومقدّمه جو معلوف، الذي يشرّع الترويج للعمالة وكأنها مجرّد “وجهة نظر” قابلة للنقاش.
هذا “النقاش العبثي” بين شباب لبنانيين، وفي هذا التوقيت الحساس تحديداً، يفضح لامهنية العمل الصحفي وغياب أدنى معايير المسؤولية الوطنية. ويظهر ذلك بوضوح في تفاصيل البرنامج، من بدايته حتى نهايته، وأبرزها:
1) تكرار السيناريو نفسه في كل حلقة:
يعتمد البرنامج نمطاً مكرّراً، حيث يتم استحضار شباب من خلفيات مختلفة وتقسيمهم إلى فريقين حول قضية “سلاح حزب الله”. يتحوّل النقاش إلى ما يشبه “مباراة كرة قدم” طائفية، جمهورها جاهز مسبقاً للتصويت لـ”علي” أو “ميشال” دون الاستماع إلى أي حجة. المشاركون والجمهور ليسوا إلا أدوات تُحرّكها الاصطفافات الطائفية داخل حلبة البرنامج.
2) انحياز المقدم العلني:
بدلاً من إدارة الحوار بحياد، يظهر جو معلوف منحازاً بوضوح إلى الطرف المؤيد لـ”نزع سلاح حزب الله”، ما يحوّل دوره من محاور إلى طرف في النزاع. ويتجلّى هذا الانحياز في أسلوبه الذي يعتمد على ما يشبه “التقسيم ثم التوجيه”، مستخدماً تقنيات مثل “السيكولوجيا العكسية” و”التأطير النفسي” (Framing). يبدأ أحياناً بمدح حزب الله لكسر الحواجز النفسية لدى المشاهد، قبل أن ينقلب فجأة إلى خطاب ينتقص منه. وهنا تكمن الخطورة: فالمسألة لا تبدو زلّة مهنية، بل نهجاً مدروساً لخلق ارتباك معرفي وتمرير أجندة معيّنة تحت غطاء الواقعية.
3) معادلة التوقيت والمحتوى:
المشكلة ليست في طرح قضية خلافية كـ”سلاح حزب الله” للنقاش، بل في توقيت طرحها. ففي وقت الحرب، تلجأ الدول إلى تعزيز تماسكها الداخلي، بينما يأتي هذا البرنامج ليفتح جبهة انقسام داخلية، تُشتّت البوصلة عن القضية المركزية: مواجهة الاحتلال، وذلك تحت ذريعة “حرية الصحافة” التي تتحوّل هنا إلى غطاء لإثارة الفتن.
الآثار المترتبة:
في ختام كل حلقة، يُعلن عن “رابح وخاسر” بناءً على تصويت يتغذّى على شدّ العصب المذهبي و”التعرّض الانتقائي”. لكن عند التدقيق، يتّضح أن الوظيفة الحقيقية للبرنامج تتجاوز الترفيه أو النقاش، لتصل إلى حدّ برمجة المشاهد على “نزع الإنسانية” عن الآخر، وتصويره كخصم أو كجزء من “قطيع”، ما يعمّق القطيعة النفسية ويحوّل البرنامج إلى أداة ترسيخ للانقسام بدل أن يكون مساحة لحوار عقلاني.
وهكذا، يكون الخاسر الوحيد هو الوطن. فبينما يعود كل شاب إلى طائفته “منتصراً”، يخسر لبنان وحدة أبنائه، فيما يستبيح العدو أرضنا، ونحن غارقون في نزاعاتنا وعبثيتنا.
شكراً جو.
“مش مسرحية”: عرض طائفي على خشبة اللامهنية الصحفية
2026-04-26 13:07
آية عماد بلوط
185 مشاهدة
1 دقائق قراءة
صورة رئيسية
شارك المقال
الرئيسية
الرئيسية
أخبار