جنى ومريم… وجعٌ أكبر من الكلام

2026-05-11 12:09
مروة أيوب
1,430 مشاهدة
1 دقائق قراءة
جنى ومريم… وجعٌ أكبر من الكلام
صورة رئيسية
تتوقّف الكلمات، وتجفّ المحابر، حين يصبح الغدر عنوان الموت، وحين يُختطف النور من قلب الطريق بلا رحمة. هناك وجعٌ لا تستطيع اللغة أن تحتويه، وخساراتٌ أكبر من أن تُختصر بجملة رثاء أو خبر عاجل. فجنى لم تكن مجرّد اسمٍ عابر، بل كانت روحًا تشعّ علمًا وطموحًا وحياة، امرأةً حملت في قلبها أحلامًا واسعة بحجم السماء، وفي يدها أمانةً لا تشبه أي أمانة: طفلتها مريم.

كانت جنى أمًّا بكل ما للكلمة من دفء، وتلميذةً تسير نحو مستقبلها بإصرار، ومعالجةً اختارت أن تخفّف آلام الناس في زمنٍ يزداد قسوة. أحبّها كلّ من عرفها، لأنّها كانت تشبه الضوء الهادئ الذي يمرّ في حياتنا فيترك أثرًا لا يُنسى. كانت تؤمن أنّ للعلم رسالة، وللحياة معنى، وللأمومة قداسة لا تُمسّ.

لكنّ العدو الغاشم لم يكتفِ باغتيال الأحلام الكبيرة، بل امتدّت يدُه الآثمة لتخطف البراءة من مهدها. رحلت مريم الصغيرة في حضن والدتها، وكأنّ القدر أراد ألّا تفترق الروحان حتى في الرحيل. أيّ حقدٍ هذا الذي يستهدف أمًّا تحمل طفلتها؟ وأيّ قسوةٍ تلك التي ترى في ضحكة طفلة خطرًا يجب إسكاته؟

لم يكن استشهاد جنى ومريم حادثةً عابرة، بل صورة موجعة تختصر وجع وطنٍ كامل. صورة أمٍّ احتضنت طفلتها حتى اللحظة الأخيرة، وطفلةٍ لم تعرف من الدنيا سوى دفء أمّها قبل أن تخطفها صواريخ الغدر. مشهدٌ يختصر وحشيّة عدوٍّ لا يفرّق بين العلم والبراءة، بين كتاب تلميذة وضحكة طفلة.

يا جنى، لقد غبتِ عن العيون، لكنّكِ بقيتِ في القلوب. تركتِ خلفكِ دمعةً لا تجفّ في عيون من أحبّوكِ، وحرقةً تسكن قلوب زميلاتكِ اللواتي اعتدن حضوركِ بينهنّ. رحلتِ وأنتِ تؤدّين أسمى أدواركِ: أمًّا تحمل الحبّ والعلم والحنان في قلبٍ واحد.

سيبقى اسمكِ شاهدًا على ظلمٍ لا يعرف الإنسانية، وعلى عدوٍّ يقتل الحياة لأنّه يخاف الضوء. وسيبقى وجه مريم البريء يطارد ضمير العالم الصامت، ذاك العالم الذي يشاهد موت الأطفال وكأنّه تفصيلٌ عابر في نشرات الأخبار.

لكنّ الحقيقة التي لا يستطيعون قتلها، أنّ الأرواح الطاهرة لا تغيب. فجنى التي حملت حلمها في قلبها، ستبقى حاضرةً في ذاكرة كلّ من عرفها، ومريم ستبقى رمزًا للبراءة التي واجهت وحشيّة هذا العالم بصمتها الصغيرة.

ستظلّ صورة جنى ومريم أيقونةً للألم اللبناني الصابر، وشاهدًا حيًّا على أنّ هذا العدو لا يرى في الإنسان سوى هدفٍ لناره. أمّا هما، فقد رحلتا إلى مكانٍ لا ظلم فيه، ولا خوف، ولا صواريخ غدر.

لروح جنى السلام، ولروح مريم الطاهرة السلام.
ولقلوبنا الصبر، وللوطن ذاكرةٌ لا تنسى شهداءه.

-الرئيسية- ١١/٥/٢٠٢٦

شارك المقال

الرئيسية الرئيسية أخبار

اترك تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!