هل أصبح التطبيع مع الجريمة أخطر من التطبيع مع إسرائيل؟

2026-07-28 12:43
مريم البتول رسلان
170 مشاهدة
1 دقائق قراءة
هل أصبح التطبيع مع الجريمة أخطر من التطبيع مع إسرائيل؟
صورة رئيسية
في الظروف العادية، تهتزّ الإنسانية لخبر جريمة أو لمشاهد الدمار. أمّا في واقعنا اللبناني المأزوم، فقد تحوّل المشهد إلى مادةٍ إخبارية تُستهلك بين منشورٍ عابر على مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن يعود الناس إلى تفاصيل حياتهم اليومية، من دون ردّة فعلٍ توازي حجم المأساة. فهل بلغ المجتمع مرحلة التبلّد؟ وهل أصبح الخوف من التطبيع مع الجريمة أخطر من التطبيع مع إسرائيل نفسها؟

حين تتسارع وتيرة الجرائم وتتكرّر مشاهد القتل والدمار، يُستنزف الإنسان نفسيًا أمام هذا الكمّ من الوحشية. فيلجأ العقل، بصورة لا واعية، إلى آليات دفاعٍ تخفّف وقع الصدمة، فتخبو المشاعر تدريجيًا، ويتحوّل التبلّد إلى وسيلةٍ للبقاء. غير أنّ هذه الآلية، التي تبدأ دفاعًا عن النفس، قد تنتهي إلى فخٍّ خطير يُفقد الإنسان حساسيته تجاه المأساة.

ولم يأتِ هذا التبلّد من فراغ. فاللبناني، ولا سيما الجنوبي، يعيش منذ سنوات تحت وطأة الاعتداءات والاغتيالات والتهديد الدائم. وعندما تصبح المعاناة جزءًا من الحياة اليومية، تتراجع القدرة على التفاعل مع كل جريمة جديدة، ويتخدّر الوعي شيئًا فشيئًا، حتى يغيب الصوت الرافض، ويصبح الصمت أمرًا اعتياديًا.

أخطر ما في الأمر ليس القبول بالمحتل سياسيًا فحسب، بل منحه، من حيث لا نشعر، شرعيةً للاستمرار في القتل والتدمير، فيما نمضي في تفاصيل حياتنا وكأنّ دماءنا تحوّلت إلى أرقامٍ في نشرات الأخبار، أو إلى مشاهد مألوفة لا تستحق سوى نظرةٍ عابرة.

صحيح أنّ الاستمرار في الحياة، والتمسّك بالأرض، وملاحقة الأحلام، هو شكلٌ من أشكال المقاومة. لكن الاستمرار من دون غضب، ومن دون موقف، ومن دون رفض، قد يتحوّل إلى تنازلٍ تدريجي عن الحق، وإلى اعتيادٍ على الجريمة بدل مواجهتها.

فهل ستصبح المقاومة حكرًا على أفراد؟ وهل سيغدو التطبيع مع الجريمة، قبل التطبيع مع إسرائيل، مجرد وجهة نظر؟ لأن أخطر ما قد نخسره ليس الأرض وحدها، بل قدرتنا على أن نهتزّ لأجلها.

شارك المقال

الرئيسية الرئيسية أخبار

اترك تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!